إلى عالم الراشدين، أكتب إليكم

إلى الآباء و الأمهات، إلى المعلمين والمعلمات، إلى إدارة الجامعات،

إلى أصحاب ورؤساء الأعمال، إلى المديرين والموظفين،

إلى عالم الراشدين

أما بعد،

اليوم نخرج إليكم بعد سنوات من تدريب وتعليم، بعد أحلام رسمناها كل ليلةٍ بأقلامنا البريئة و بمخيلاتنا الواسعة المتفائلة. اليوم دفعتنا السنوات التي قضيناها في مسيرتنا التعليمية نحو باب الخروج إلى عالمكم. ذلك العالم الذي طالما سمعنا عنه من خلالكم. طالما سمعناكم تتحدثون عن ظلمته، عن المنافسة الحادة القاتلة، عن الحقد المتوغل في طياّته، عن خبائث بعضكم لبعض.

وطالما سمعنا شريط سخريتكم عندما نحكي لكم عن أحلامنا، عن الغد الذي رسمته مخيلاتنا التي توسعت عن حدود أفكاركم. طالما شاهدناكم تضحكون. طالما تظاهرنا بأننا نسمعكم عندما تدفعون كلماتكم المحبطة في وجوهنا. طالما تظاهرنا بقوتنا وصمودنا على أفكارنا وآرائنا، ولكن طالما بكينا في وحدتنا، وعزيّنا مساندتكم لنا، ولمستقبلنا، ولمستقبل أولادنا.

طالما أخترنا الصمت، وكان السبب انتظارنا انتهاء دراستنا، وأن الوقت لم يكن أتى بعد لتحقيق طموحاتنا. ولكن اليوم، جزعنا عن الاستماع إلى آرائكم المحبطة. جزعنا عن تظاهرنا السابق. وجزعنا عن صمتنا.

في مفترقِ الطُرقات هذا، أسألكم أن تدعونا نختار نحن. دعونا نشاوركم إن أردنا ذلك. دعونا نطارد أحلامنا. دعونا نرحل إن أردنا الرحيل. ودعونا نبقى إن أخترنا البقاء. دعونا نُحب ودعونا نكره. دعونا نقول ما نريد، ونفعل ما نراه صائباً.

مع أولى خطواتنا في عالمكم، دعونا نحيى حياتنا وليس حياتكم، دعونا نحقق أحلامنا وليس أحلامكم.

كلمات

تأتي الكلمات متدافعة بسرعة هائلة لتألم رأسي. أقف لألتقط أنفاسي. ثم تأتي الهلوسات والتخيلات لترسم واقع يخبّئ معالمه الجدران التي أحتضنتني لأعوام لترسم غرفة أخرى يغلب عليها الظلام سوى أضواء نيون فاقعة محددة زوايها.

أسمع صوته متحدثاً، يتقطع ويتشوش بين الحين والآخر، في أول وهلة لم يمكنني فهم كلامه، ثم أدركت أنه يشتكي من قلة الوقت وكثرة المهام والأعمال. أحاول تجاهل التشويش وأركز في كلماته. ولكن سرعان ما تأتي أصواتاً أخرى من أنحاء الغرفة . لكن ليس بإمكاني تميزها، كلها مشوشة بعض الشئ ومتداخلة ببعضها البعض

أحاول التركيز. ربما سأفهم شيئاً! أدركت أن نبرة بعضها حادة، وبعضها هادئة، وأصوات أخرى تصرخ في الصوت الهادئ، وأصواتٍ لا تقف عن الجدال. تعلو الأصوات فوقها فوق بعض، فأشعر بألمٍ في رأسي مجدداً.

.أبحث عن صوته بين فوضى الأصوات، فأسمعه يضحك. أدور نحو مصدر الصوت فأجده يشاهدني من خلف عدسات نظارته.

لن أعيش معكم

كلما خطوت خطوة إلى الأمام، لا عجب أنه تُبنى المزيد من الحوائط الخراسانية والحديدية، وإن اخترعوا مادة أخرى بصلابة وسعر مماثل لأقاموا المزيد من الحوائط، لتشق أحلام جيل لم يحلم سوى بأن يعيش.

 أمشي ومن أولاد جيلي على نسج آبائنا.

أخطأ في الكلمة إملائها وفي اللغة نحوها، أخطأ ولا أخجل من تعليم انتهت صلاحيته منذ عقود. أحاول أن أجمع شتات القواعد التي حُفِظت في المدارس لأربعة عشر خريف.  وها هنا أفشل ولا أخجل، لأن فشلي فشلكم، ومن وَجَب عليه الخجل ليس أنا بل أنتم.

نعم، لن أعيش في مدينتكم التى تخللت روائح الفساد حاراتها. لن أعيش في مدينتكم التى ظُلّمت بيوت فقرائها وترافع من أدعوا السلطة، ليمزقوا أثوابها قطعاً  يحاولون بائسين ستر عوراتهم. لن أعيش في مدينتكم التي تمسح كل يوم قصة أخرى من على جدرانها.

لا، لن أعيش معكم.

سأعيش في مدينتي التي لونتها بأقلامِ مخيلتي، سأعيش في مدينتي التي لا تغيب عنها الشمس أبداً.

سأخطط مدينة أعلم أنه لن تخطو قدماي رصيفها ، لن تتذوق أذني صريخها، لن تسمع ندائها كما سمعت إستغاثة شوارع سيظل قلبي يعشقها، لن ترى ابتسامة طفل ولد ولم يرى سوى تلك المدينة التي رسمت شوارعها وعمرانها بين نسيج لم يعرف في نسجه قواعدكم المملة، وآرائكم البالية وتخطيطكم الذي مرت علية الأزمنة.

لا، لن أعيش في مدينتكم.

لن أعيش معكم.

سأعيش في مدينتي.

“ليبرتا كانت مكتوبة”

“ليبرتا كانت مكتوبة”

تظل الكلمات لا تفارق مخيلتي.

كلما حاولتُ أن أشتت تفكيري وأفكر في شئ مختلف.. متى سأبدأ مذاكرة لامتحان نهاية الفصل الدراسي بعد أيام مثلاً، وكيف سأذاكر تلك المادة التي لا أفقه فيها شيئاً.. وماذا سأفعل في مشروع التخرج في الفصل الدراسي القادم..وكم أشتقتُ لصينية المعكرونة بالباشمل من يدي أمي ومتى سأترك هذه الدولة التي قتلت أبنائها بأيديها العاريتين الملطختين بالدماء..

“ياحكومة بكرة هتعرفي بإيدين الشعب هتنضفي..”

أجلس اليوم مع رفقائي بالجامعة التي لم تجمع سوى طبقة برجوازية وأخرى مدعية ذلك.. نجلس اليوم بعد قرابة نصف عام من اعتزالنا السياسة لنواصل حديثنا من حيث تركناه آخر مرة.

كلما أفترقت شفتاي لأتحدث، خرجت كلمات الأولتراس الغاضبة تندفق من غضبٍ كَمُن في قلبي سنوات، نارٌ أطفأتها حرب خاسرة شنتها قوى زعمة ثوريتها وصُدّقت أكاذيبها التى أُذيعت ملأً على الملايين، حربٌ حاولتُ ألا أُقاتل فيها أحداً باختياري الصمت الذي تمنيته سلاحاً ساكناً.

“والآية الليلة مقلوبة”

وفي وسط النقاش الساخن ظلت الكلمات تصرخ في أذني، صراخٌ خافتٌ وعالٌ في الوقت نفسه، صراخٌ جعلني أقفز من مقعدي عدة مرات. أنظر حولي، ربما أجد من يصرخ ربما أراه، أو يراني فيهدأ.

لم أسمع الصراخ منذ أشهر، ظننته تركني في شأني.

 لم أشتاق إيه أبداً.

ولكن الصراخ مستمر، أنظر إلى من حولي وأسألهم عن صراخ.. ولكنهم لا يسمعونه ولا يفقهون عن ماذا أتحدث.

مازلتُ أسمع الصراخ. صراخ نداء واستغاثة،ذلك الصراخ الذي تسمعه في العزاء، صراخ امرأة فقدت أولادها، وأطفال قُتل أبيهم أو أخيهم، فتاة سُحِلت وتعرت، بكاء شباب فقدوا أعينهم وشوهت أجسادهم بطلقات لا ترحم الجماد حتى ترحم البشر. صراخ فتاة قُتل خطيبها قبل أياماً من زفافهما، وطفلٌ لن يعرف أبيه أبداً، وآلاف في الزنازين، وعشرات دُهِست أرواحهم بلامبالاةٍ ممن سُموا “مسؤولين”.

أقف من مجلسي، أضع يدي على صدري، وأُغني..

“بإدين الشعب هتنضفي”.

أحياناً عندما أكتب لا أعلم من يكتب بالضبط.. هل هي يديّ التي عاشرتها لواحدٍ وعشرين عاماً وثلاثة أشهر، أم الصراخ الذي علا صوته مجدداً بعد مشاهدة ذلك الفيلم الذي قلّب المواجع وأسال الدماء من الجروح مجدداً.

ولكنني على يقين بشئ واحد: إن كفرت بذلك الصراخ الذي أسمعه في أُذنيّ بين حينٍ وآخر، فإنني لا أكفر بروحٍ سُلِب حقها في الحياة، ولا دمعةٍ دُفنت مع دفن الأبناء ولأحباب، بل بحق إنسانيتي التي مُنِحت إليّ، وبحق عقول طالما أرادت أن تُقدر كما قدرت أمثالها في بلادٍ تنفست ربيع الحرية من قرون، وبحق بطون لم تعرف النوم وهي ليست جائعة، وبحق أطفال أخذت موجة بردٍ قارس أرواحهم بخساً.

سيظل الصراخ – وإن لم يسمعه الآخرون- أسمعه في أذنيّ.

“ليبرتا كانت مكتوبة”

 ***

فيلم الميدان ( المرشح لجائزة الأوسكار كأفضل فيلم وثائقي):

أغنية الأولتراس:

ذكرى

وحشني.

وحشني صوته في الشقة.

وحشتني حكاياته، قصص طفولته أيام م الدولة كانت دولة، م العزة كانت على راسنا

مدرسته لما كان التعليم مش تعتيم

أيام النصر

أيام الإيطاليان

وحشتني قاعدته

قدام التلفزيون

وحشني إزاي أنا زيه

وحشني شِعره

قصايده

تصليح نحو الخطابات

وحشني.

وحشتني يا جدو.

من نريد أن نكون؟

مع التدهور المستمر في الوضع الإقتصادي في مصر، وعدم استقرار الأوضاع السياسية وتدني الرؤية المستقبلية كلاهما بعيدة وقريبة المدى و وسط الجدال المستمر والإنقسام والإستقطاب الحاد الذي أُصيب به مجتمعنا، وبين تدني الهمة والإحباط بين طلاب الجامعات بمستقبل تنعدم فيه الأحلام تقريباً، يظهر بريق خافت وسط الظلام ينادي في أرجاء المدينة: هناك من يحاول تحسين الأوضاع، ولو بمجهودات شخصية.

انتشرت اليوم صفحاتٍ على مواقع التواصل الإجتماعي يُعرض عليها منتجات وخدمات ومبادرات يقدمها طلاب جامعي أو حديث التخرج وأصبح ذلك “البيزنس” الوظيفة الرئيسية للكثير بدلاً من الوظيفة التقليدية التي باتت من شبه المستحيل تقريباً الحصول عليها فأصبح الكثير من الطلاب يتطلعون إلى أعمال حرة يسوّقون لها من خلال استغلال التكنولوجيا الحديثة. وهو حلٌ ممتاز في رأيي المتواضع، ومخرج من أزمة لا نعلم كم سيزيد عمرها من أعوام.

لكن ثمة شيء لا يعجبني، بل يغضبني، عندما أتصفح تلك الصفحات والمواقع وذلك أنها غالبيتها كتبت باللغة الإنجليزية مع بعض الكلمات العامية التي لم يجد كاتبها مخرجاً من عدم إستبدالها، وتكون تلك الكلمات مكتوبة بالحروف الأعجمية (الفرانكو

أتفهم كثيراً أن هناك نسبة كبيرة من مدشني تلك المواقع حصلوا على تعليم أجنبي وربما قضوا بضع سنين في الخارج أيضاً ولذلك فإن اللغة الأجنبية تصبح أقرب إليهم و معبرة أكثر عما يدور في أذهانهم، ولكنني أقابل أيضاً جمل كتبت بإنجليزية ركيكة مضحكة .

فهل وصلنا إلى هذه الدرجة من احتقار اللغة العربية؟ هل أصبحت اللغة العربية ملكاً لطبقات المجتمع الدنيا فحسب؟ فإن أردتَ التسويق لمنتجاتك الفاخرة المصنوعة يدوياً يجب أن تتحدث الإنجليزية وإن أردت تنظيم ماراثون أو سباق دراجات لتشجيع الناس على الرياضة فمن إحدى الشروط أن تُجيد الإنجليزية، وإن أردت الإعلان عن منتجع سكني فاخر بالقاهرة أو بالساحل الشمالي فيجب أن يكون بالإنجليزية؟

ونريد العالم أن ينظر إلينا ويقدرنا ونحن ندفن حروفنا بأصابعنا التي جهلت أماكنها على لوحة المفاتيح وأذهاننا التي غطى الصدأ قواعد النحو والكتابة التي قضينا الكثير من الوقت لحفظها و صمها؟

حافلني الحظ في الصيف الماضي وسافرت إلى إيطاليا. الإيطاليين لا يجيدون الإنجليزية رغم أنه يأتي إلى إيطاليا قرابة 40 مليون سائح سنوياً من جميع أنحاء العالم، ولكنهم يفضلون التمسك بلغتهم وجعل العالم كله يقع في حب تلك اللغة الموسيقية وإجبارهم على التعلُم بعض الكلمات كتذكار خاص منهم .

الوضع مشابه جداً في دول أخرى في أوروبا. فبما أني تعلمتُ القليل من الألمانية في الجامعة والفرنسية في المدرسة كان بإمكاني فهم الأسعار عندما تخبرني بها البائعة و طلب القهوة بالحليب مثلاً. وإن كنت لا تعلم الألمانية أو الفرنسية فإما ستجد من يفهم القليل من الإنجليزية ويجاوبك بلغته أيضاً أوإن كنت محظوظاً فربما تجد عربي يعمل هناك!

ولكننا نُفضل استخدام الإنجليزية بيننا، وأنا لا أقصد هنا الصفحات الشخصية على مواقع التواصل الاجتماعي فكل شخص له حرية الكتابة بأي لغة شاء، إنما حديثي هنا على مواقع وصفحات التسويقية ، والنشاطات الجامعية، والإعلانات الطبقية والمبادرات الاجتماعية الإيجابية منها والسلبية.

ولكن يبقى السؤال: هل يمكن أن يقوم بنا هذا البلد إن تركنا لغته ومعه  ثقافتنا وإن وجب علينا تصحيح بعض العادات بها؟ هل يمكن أن تقوم تلك الشريحة المتحدثة بالإنجليزية دون سائر شرائح المجتمع؟

وما هي رؤية تلك المبادرات والمواقع والصفحات إن لم تكن في الأساس الإنتشار في مصر أو الزيادة في الأرباح؟  وكلاهما لن يتما إلا بالإنتشار بين طبقات وشرائح المجتمع المختلفة؟

وما هي حقاً هوية مصر في الفترة القادمة على يد جيل أَلِف التكنولوجيا منذ نعومة أظفاره؟ جيلٌ أتقن الفرانكو قبل دراسة العربية في المدرسة ، ونشأ على دستوره يُكتب ويُعدل دون فهم مواده وحقوقه؟

السؤال هو من نحن؟ الإجابة: عرب مصريون.

ولكن يبقى السؤال الأهم: من نريد أن نكون؟

ليلة

أفتح النافذة

أُزحزح العمارات جانباً

أرى النجوم في السجادة الكحلية

وألمس قمراً لؤلؤياً أملس
يسارع نسيم ليلة باردة إلى صدري
أسمع ضحكات آنستها في صغري

يأتي الشريط أمامي، كشاشةِ عرضٍ في السينما
أراهم أحياء، يتحدثون و يضحكون
و لكني لا أسمعهم؛
.لأن العالم أصبح عالمين